فخر الدين الرازي
374
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بأنه لا إله غيره إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن اللَّه يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، واللَّه أعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 154 ] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أقوال : القول الأول : أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت . والقول الثاني : وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . القول الثالث : المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ولا يجوز صمت لأن سَكَتَ بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه . وهو الوقت الذي قال فيه : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [ الأعراف : 151 ] وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه . المسألة الثالثة : قوله : أَخَذَ الْأَلْواحَ المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ [ الأعراف : 15 ] وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل ، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله : وَفِي نُسْخَتِها النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف . قلت : نسخت ذلك الكتاب ، كأنك نقلت ما في الأصل / إلى الكتاب الثاني . قال ابن عباس : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً ، فأعاد اللَّه تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى ، فعلى هذا قوله : وَفِي نُسْخَتِها أي وفيما نسخ منها . وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها ، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير وقوله : هُدىً وَرَحْمَةٌ أي هدى من الضلالة ورحمة من العذاب لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ يريد الخائفين من ربهم . فإن قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله : لِرَبِّهِمْ . قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية ، ونظيره قوله : لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [ يوسف : 43 ] الثاني : أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا